فخر الدين الرازي
53
تفسير الرازي
إلى فقير . ثم قال : * ( والله غني ) * عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها * ( حليم ) * إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته ، وهذا سخط منه ووعيد له ثم إنه تعالى وصف هذين النوعين على الإنفاق أحدهما : الذي يتبعه المن والأذى والثاني : الذي لا يتبعه المن والأذى ، فشرح حال كل واحد منهما ، وضرب مثلاً لكل واحد منهما . فقال في القسم الأول : الذي يتبعه المن والأذى * ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) * وفي الآية مسائل ؛ المسألة الأولى : قال القاضي : إنه تعالى آكد النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى وأزال كل شبهة للمرجئة بأن بيّن أن المراد أن المن والأذى يبطلان الصدقة ، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت ، فلا يصح أن تبطل فالمراد إبطال أجرها وثوابها ، لأن الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل فيصح إبطاله بما يأتيه من المن والأذى . واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن والأذى مثلين ، فمثله أولاً : بمن ينفق ماله رئاء الناس ، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المن والأذى ، ثم مثله ثانياً : بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار ، ثم أصابه المطر القوي ، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلاً ، فالكافر كالصفوان ، والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر ، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق ، قال : فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان ، فكذا المن والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الانفاق بعد حصوله ، وذلك صريح في القول بالاحباط والتفكير ، قال الجبائي : وكما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضاً ، وذلك لأن من أطاع وعصى ، فلو استحق ثواب طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحق النقيضين ، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال ، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال ، ولأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة ومنع الإثابة ظلم ، وهذا العقاب عدل ، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلاً من حيث إنه حقه ، وأن يكون ظلماً من حيث إنه منع الإثابة ، فيكون ظالماً بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك محال ، فصح بهذا قولنا في الإحباط والتفكير بهذا النص وبدلالة العقل ، هذا كلام المعتزلة . وأما أصحابنا فإنهم قالوا : ليس المراد بقوله * ( لا تبطلوا ) * النهي عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته